ثورة حرية التعبير في تونس

الشعب التونسي قال كلمته الفصل
لا يمر يوم دون سقوط ضحايا في تونس وأصبح الاختطاف والتعذيب وحتى التصفية الجسدية خارج الأطر القانونية أسلوبا معتمدا لإخماد الانتفاضة المتنامية. وتذكر الأساليب المعتمدة بما عرفت به جماعات دايتون في الضفة الغربية بفلسطين أو الميليشيات المنفلتة في العراق. ومن الواضح أن الوقود الرئيسي لهذه الأحداث لن ينضب بل إن تصرفات السلطة ومن يدور في فلكها الطاقة الضرورية و المطلوبة لمواصلة العصيان. ومن الواضح أن النظام فقد السيطرة على الوضع في الشارع وفقد مشروعية وجوده من الأساس وبنظرة سريعة على تطور الأحداث، يتبين أن الأمور ستزيد اشتعالا وأن الشعب لن يتراجع هذه المرة. وعلى المستوى الخارجي جاء استدعاء السفير التونسي في واشنطن متأخرا وكانت الطلبات خجولة ولا ترتقي إلى مستوى الأحداث. فأمريكا التي كانت تتابع أحداث إيران بعد الانتخابات الرئاسية باهتمام شديد لم تول الوضع التونسي على خطورته الأهمية ذاتها بل هناك كثير من التجاهل للوضع وإعطاء الوقت لبن علي للإجهاز على الشعب مرة أخرى ولا يعتقد أن يكون هناك أي ضغط على الحليف والخادم المطيع لكل مشاريع واشنطن في المنطقة.
وجاء الدعم الفرنسي الكبير لنظام بن علي ليزيد من نقمة المحتجين فسكوت فرنسا الرسمي عما يجري في تونس وإرسال وزيرة الخارجية في زيارة لم يعلن عنها وما يعرف عن ساركوزي من مواقف إضافة إلى تاريخ فرنسا في تونس ومساندتها للدكتاتورية تجعل مصالحها مهددة في تونس. لن يزيد دعم رئيس وزراء إيطاليا برلسكوني لبن علي إلا الوضع تأزما. فالرجل ينتهج سياسة متشددة تجاه المهاجرين بشكل غير مسبوق. فالمهاجرون التونسيون الذين يخاطرون بحياتهم ويفرون من جحيم الحياة الاجتماعية القاسية والظلم في تونس يجدون (لمن يصل منهم ولم تأكله الحيتان في عرض البحر) معاملات مهينة لكرامة الإنسان في ظل حكومة يمينية متطرفة يرأسها برلسكوني. ولن تكون5 مليار دولار الذي قدمها القذافي كمساعدة عاجلة وفتح مجالات دخول التونسيين لليبيا لتخفيف الضغط على بن علي ذا قيمة لدى الشعب التونسي. فهو يعرف من هو القذافي الذي قتل شعبه وهدم السجون على رؤوس من فيها وشنق الناس في الشوارع وتآمر على أمن تونس عبر محاولات يائسة ليجعل من نفسه زعيما في المنطقة. وما شطحاته الأخيرة حول الجهاد ضد سويسرا التي اعتقل فيها ابنه على خلفية ممارسات غير قانونية وغير أخلاقية إلا دليلا آخر على أن آخر إنسان يمكن أن يثق به الشعب التونسي هو القذافي.
وعلى المستوى الداخلي يزيد خطاب السلطة المتشنج والبعيد عن واقع الناس من نفور الجماهير. فالنظام الذي تحدث عن دعم أكثر من 90 في المائة من سكان البلاد لبن علي سنة 2009 وجد نفسه عاجزا عن تقديم توضيحات لأسباب الهبة الشعبية المنادية بالتغيير والمطالبة بالإطاحة برأس السلطة. وتقول بعض التقارير أن السلطة عجزت عن تنظيم مسيرة مساندة لبن علي وقام الحزب الحاكم بتوجيه الدعوة ولكن لم يستجب إلا عدد قليل فعدل عن تنظيم المسيرة.
ويأتي خطاب بن علي يوم الاثنين 10 جانيفي والذي اتهم فيه المتظاهرين والمنتفضين عليه / وعلى حزبه وعائلته ومحيطه الذي نعتته التقارير الأمريكية بأنهم مافيا/ بأنهم إرهابيون ملثمون ومأجورون وفي نفس الوقت كانت آلة القمع البوليسية تقوم بمجازر رهيبة حيث سقط خلال 72 ساعة الأخيرة ما لا يقل عن 50 شهيدا وأما الجرحى فعددهم غير معلوم كما يمثل عثور أهالي القصرين على 5 جثث مرمية سقطت خلال اعتداءات الشرطة عامل نقمة إضافي على بن علي الذي لم يجد ما يقوله للشعب في خطابه الأخير إلا شكر القذافي على فتحه للحدود أمام التونسيين. المشكلة هي أن القذافي طلب منذ سنوات قليلة من الليبيين أخذ نصيبهم من النفط ومغادرة البلاد لأنها لا تصلح للعيش. فما معنى أن تفتح أبواب ليبيا في وجه الشباب التونسي المتعلم والواعي في هذه الظروف القاسية. وما يزيد من غرابة المشهد دخول مفتي تونس على خط المواجهة وقد أفتى بعدم جواز الصلاة على من مات بأسلوب الحرق. هذا وتؤكد كل الوقائع أن من يزعج السلطة هو الانتحار العلني لهذا عمدت إلى تحريك كل أدواتها ولا ندري هل فتوى "الشيخ" بطيخ نابعة من قناعته الدينية ولماذا لم يعلن عن ذلك عندما كان الانتحار غير علني؟ وما قوله في من تقتله الشرطة والعصابات المنفلتة التابعة لعائلة بن علي؟ ويؤكد العديد أن هؤلاء شهداء ولا حاجة إلى تغسيلهم أو الصلاة عليهم .
ومن الواضح أن الشعب التونسي قال كلمته الفصل وسواء هدد بن علي وتوعد وقامت العصابات المنفلتة والشرطة بتطبيق فعلي لما قاله عبر ارتكاب مجازر رهيبة في حق شعب أعزل فإنه لن يتراجع حتى يزيل هذا الكابوس الذي أصبح لا يطاق وقد قال لي أحد الأقارب "سئمت حياة الذل والمهانة في عهد العهر والاستبداد وقررت إنهاء حياتي بخبر عاجل " ولكن لم يفصح عن محتواه .
أنور الغربي مقيم في جنيف وأصيل مدينة الشابة التي غادرها في أوت 1991 ولم يستطع الرجوع إليها منذ ذلك التاريخ